الشيخ أحمد فريد المزيدي

358

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

لمكانتك ، وضمّا لك بالاشتمال عليك إلى مصون منزلك . فكنت عند ذلك بحيث أرمس المكان مكونه ، وطمس الدّلائل عليه من وهم متوهّمه ، فكنت فيما هنالك بغيب لغيب ، انتفت عن حقائقه الشكوك والريب . كما أن الحقائق بحق اليقين تعلم ، وملاحظة العيان لها محتجبة لا تتوهّم . ومن وراء ذلك توحيد الموحّد ، وربّانيّة الألوهيّة المتفرّد ، على أوليّة أزليّة ، وبقاء سرمد الأبديّة . وهنالك ضلّت مقاليد الفهماء ، ووقفت علوم العلماء ، وانتهت إليه غايات حكمة الحكماء . وهذه غاية لما هذه نعته وسنا ذروه ، وانتهت الصفة إلى صفته ، ومن وراء ذلك برزخ إلى يوم يبعثون . وإذا بعث الخلق بعد انقضاء مدة برزخهم ، وأحيوا لحقيقة البعث بعد ميتتهم عرفوا إحياء الحيّ لمن أحياه ، وتركه في سرمد البقاء لمن أبقاه . وفيما أشرت به من ذلك شرح يطول وصفه ، ولا يحتمل الكتاب نعته على كنهه . يا أخي رضي اللّه عنك وصل كتابك السّارّ ظاهره وباطنه ، وأوّله وآخره . وسررت بما ضمّنته من علم غريب ، وحكم عزيزة ، وإشارات واضحة منيرة . ولم يخف عليّ ما عرّضت به مع ما صرّحت به ، وكل ذلك على علمي به ، وسبقي إلى فهم ما قصدت له ، بيّن عندي إلى أين موئله ، وإلى أين نهايته ومصدره ، ومن أين أوّله وآخره ، وكيف جرى على من جرى الحكم به . لا عدمت استعصامك به تعالى منه ، وقيام عصمتك به له . غلبت غوالب قاهرة ، وبدهت بواده باهرة ، أودت بقوّة سلطانها ، تقاوم سلطانها بالتقاهر فيما قام منها ، ثم حمل بعضها على بعض ، فركدت متوارية ، وهي في الحقيقة بالقوة متظاهرة ، تحكمت بمنيع عز التصاول ، بلا أين ولا أين ، متكون بكنه نهاية ، ولا هو إلى مواضع محدودة ، فتعرف لها غاية ، إبادتها إبادة مستظلمة ، وسطوتها للكلّ منتظمة . هيه ثم ماذا بعد ذلك ، نصبهم غرضا للبلاء ، وعرضهم للحين والجلاء ، وأنفذ عليهم المكاره بماضي القضاء ، وجرّعهم الموت صرفا ، وأجرى عليهم بقدرته ما يشاء . فمن بين متمانع مستعصم مغلوب ، ومن بين مستسلم مسلوب . فلا المستسلم فيها باستسلامه ناجيا ، ولا المتمانع بالاستعصام من طلبها خارجا . حبست أنفاسهم ، فهم على فرط البلاء كاظمون . وتغصّصوا بتجرع المرّ المتلف ، فهم على التلف مشرفون . فلو أطلقت الأرواح أن تفيض لكان في ذلك راحتها ، لكنه في الموت ألم مذاق الموت حابسها . لا يأملون بعد الموت